محمد علي سلامة
159
منهج الفرقان في علوم القرآن
فوائد تكرار القصص في القرآن إن القرآن الكريم قد عنى عناية تامة بذكر القصص كعنايته بالتوحيد ، وأحوال البعث ، واليوم الآخر ، فذكرت فيه قصص كثير من الأنبياء أكثر من مرة بأساليب مختلفة في الطول والقصر والحذف والذكر والتقديم والتأخير وغير ذلك ولهذا التكرار فوائد نذكر أهمها وهي : - 1 - شدة عناية الحق سبحانه وتعالى بشأن القصة المكررة إما لدلالتها على التوحيد كقصة إبراهيم ومعاداته للأصنام وأهلها ، وإما لدلالتها على نصرة الله تعالى لأنبيائه على أعدائه كقصة موسى مع فرعون وإما لغير ذلك كما يعلم بالتتبع . 2 - تمكين العبرة والموعظة ، إذ بالتكرار يحصل التأكيد والتمكين . 3 - التصرف في البلاغة على أعلى مرتبة لأن كل قصة كررت حصل في ألفاظها زيادة ونقصان وتقديم وتأخير في مواضع مختلفة وأتت على أسلوب غير أسلوب الأخرى ، فأفاد ذلك الأمر العجيب في إخراج المعنى الواحد في صور مختلفة في النظم مع جذب النفوس إلى سماعها وبذلك تظهر خاصة للقرآن لم تكن في غيره من الكلام ، وهي أنه بتكرار المعنى الواحد منه بأساليب مختلفة لا يزداد عند السامع إلا قبولا ولا يعترى قارئه ملل ولا سآمة بخلاف غيره إذا كرر مهما تنوعت أساليبه سئمته الأسماع وملته الأفواه ولحقته هجنة ، فسبحان من أنزل القرآن فوق قدر البشر . 4 - ظهور الحجة على الكفار بإبراز المعنى الواحد في صور متعددة متنوعة إلى أعلى طبقات البلاغة ، ومن ثم كان عجزهم ، ولم يجدوا إلى المعارضة سبيلا . 5 - استيفاء القصة في موضع بعد ذكر بعضها في موضع آخر لمقامات اقتضت ذلك . هذا وإن القصة الواحدة لم تكرر في سورة واحدة مهما بلغ طولها ، وإنما تكرر في سور متعددة ، وما ذلك إلا لأن كل سورة بمنزلة كتاب مستقل ولذا سميت سورة - من سور المدينة - لإحاطتها بآياتها . ومما ينبغي أن يعلم أن جميع ما قصه الله في القرآن حكاية عن غير أهل اللسان العربي من القرون الخالية إنما هو معرب عن معانيهم وليس بحقيقة ألفاظهم وإنما هو حكاية لمضامين جملهم ومعرب عن معاني ألفاظهم ، والله أعلم .